محمد بن الطيب الباقلاني

59

إعجاز القرآن

التي يباين القرآن بها سائر الكلام ، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل ، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن ( 1 ) ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا ، على ما قد بينا في القليل من الشعر ، كالبيت الواحد ، والمصراع ، والبيتين من الرجز ، ونحو ذلك يعرض فيه ، فلا يقال إنه شعر ، لأنه لا يقع مقصودا إليه ، وإنما يقع مغمورا في الخطاب ، وكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه . ويقال لهم : لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا ، : لكان مذموما مرذولا ، لان السجع إذا تفاوتت أوزانه ، واختلفت طرقه ، كان قبيحا من الكلام . وللسجع منهج مرتب محفوظ ، وطريق مضبوط ( 2 ) ، متى أخل به المتكلم وقع ( 3 ) الخلل في كلامه ، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة . كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا ، وكان شعره مرذولا ، وربما أخرجه عن كونه شعرا . / وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب ( 4 ) الفواصل ، متداني المقاطع ، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه ، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير ، وهذا في السجع غير مرضى ولا محمود . فإن قيل : متى خرج السجع [ من ] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه ، خرج من أن يكون سجعا ، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا ، بل يأتي به طورا ثم يعدل عنه إلى غيره ، ثم قد يرجع إليه . قيل : متى وقع أحد مصراعي البيت ( 5 ) مخالفا للآخر ، كان تخليطا وخبطا ، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا . [ وقد ] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل ، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب ( 6 ) .

--> ( 1 ) س : " وأن " ( 2 ) م : " والسجع منهج قريب . . . وطريقة مضبوطة " ( 3 ) س : " أوقع " ( 4 ) م : " متفاوت " ( 5 ) م : " الشعر " ( 6 ) م : " من الاختلال "